حسن الأمين

31

مستدركات أعيان الشيعة

ثم يواصل ابن الأثير وصف حال الصليبيين داخل أنطاكية قائلا : « واقام الفرنج بأنطاكية بعد ان ملكوها اثني عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه ، وتقوت الأقوياء بدوابهم ، والضعفاء بالميتة وورق الشجر ، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد ، فلم يعطهم ما طلبوا ، وقال : ولا تخرجون الا بالسيف . وكان معهم من الملوك بردويل وصخبل وكندفري والقمص صاحب الرها ، وبيمنت صاحب أنطاكية وهو المقدم عليهم » إلى أن يذكر ابن الأثير عزمهم على الخروج من أنطاكية لمصادمة المسلمين بعد رفض كربوقا لاستسلامهم ، فيقول : « فخرجوا من الباب متفرقين من خمسة وستة ونحو ذلك . فقال المسلمون لكربوقا : ينبغي ان نقف على الباب فنقتل كل من يخرج ، فان أمرهم الآن وهم متفرقون سهل . فقال : لا تفعلوا ، أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم ، ولم يمكن من مفاجاتهم ، فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين ، فجاء إليهم هو بنفسه ومنعهم ونهاهم . فلما تكامل خروج الفرنج ، ولم يبق بأنطاكية أحد منهم ضربوا مصافا عظيما ، فولى المسلمون منهزمين لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة بهم والاعراض عنهم ، وثانيا من منعهم عن قتل الفرنج ، وتمت الهزيمة عليهم ، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم وانهزم كربوقا معهم . فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة ، إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله ، وخافوا ان يتبعوهم . وثبت جماعة من المجاهدين ، وقاتلوا حسبة وطلبا للشهادة ، فقتل الفرنج منهم ألوفا ، وغنموا ما في المعسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة ، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم انتهى كلام ابن الأثير ) . ثم يصف بعد ذلك استئنافهم الزحف ووصولهم إلى معرة النعمان . . . فالامر يلخص كما ذكر ابن الأثير كما يلي : 1 : - كان الصليبيون في منتهى الوهن والجوع . 2 : - قرروا الاستسلام . 3 : - رفض كربوقا استسلامهم وقرر دخول أنطاكية بالسيف . 4 : - بدأوا بالتسلل من أنطاكية فرأى المسلمون مقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتها تدريجيا ، وبالفعل بدأ ذلك المسلمون فقتلوا كل من خرج ، فرفض ذلك كربوقا وجاء بنفسه يمنع المسلمين من هذا . 5 : - كان كربوقا قد أساء معاملة الأمراء المنضمين اليه وعاملهم بمهانة . 6 : - حقد هؤلاء الأمراء عليه وقرروا عدم القتال والانهزام من المعركة عند أول مواجهة لهم مع العدو . 7 : - إصرار كربوقا على منع جمهور المقاتلين معه من تصيد الأعداء وهم شراذم أغضب هذا الجمهور فقرروا ما قرره الأمراء من الانهزام دون قتال . 8 : - وجدت جماعة في الجيش الإسلامي رفضت ذلك فقررت الاستشهاد تقربا إلى الله . فأول ما يطال كربوقا من المسؤولية في ذلك هو تنفيره قلوب الأمراء منه والاستعلاء عليهم . وثاني ما يطاله - وهو الاخطر في الأمر - هو رفضه استسلام الصليبيين بلا قتال . وثالث ما يناله - وهو ما لا يقل خطورة عن الثاني - هو رفضه طلب جمهور المقاتلين عدم السماح للصليبيين بالتجمع كتلة واحدة ومقابلتهم وهم شراذم تسهل إبادتها . فلما ذا فعل كربوقا ذلك ؟ نحن يصعب علينا اتهام كربوقا بالخيانة ، لذلك فإننا هنا لا ننسبها اليه ، فتصرفاته كلها منذ أخذ يجيش الجيوش حتى وصوله إلى أنطاكية تدل على الإخلاص والعزم على محاربة الصليبيين . ولكننا لا نتردد ابدا باتهامه بالأنانية وحب الذات وتغليبهما على كل شيء ، مهما تعارض هذا الشيء مع المصلحة العامة . ان أنانيته وحبه لذاته جعله يحتقر الأمراء الذين استجابوا لدعوته ، ويحاول بذلك إثبات انه هو وحده السيد المطلق الآمر الناهي ، وان هؤلاء الأمراء مجرد اتباع لا شان لهم . وان أنانيته وحبه لذاته وحرصه على مجده الشخصي جعله يرفض استسلام الصليبيين بأمان بلا قتال وخروجهم من أنطاكية ورجوعهم إلى بلادهم . لأنه - وقد أيقن بوهنهم وحلول المجاعة فيهم - اعتقد انه سيخوض معهم معركة سهلة يكون هو بطلبها المنتصر ، واستسلامهم بلا قتال سيحرمه من التباهي بالانتصار عليهم في معركة حاسمة . وكذلك القول في منعه جمهور المقاتلين المسلمين من تصيد الصليبيين أفرادا وشراذم وهزيمتهم بهذه الطريقة فان ذلك سيحرمه من المجد الشخصي والتفاخر بالانتصار . وهكذا فان الأنانية وحب الذات وطلب المجد الشخصي قد حال بين المسلمين وبين انهاء الحروب الصليبية عند أنطاكية ، وعرضهم لما عرضهم من فجائع دخول الصليبيين للقدس فاتحين واستمرار الاحتلال الصليبي لبلاد الشام مائتي سنة ، وما اقتضى ذلك من إذلال وسفك دماء . وهذا في رأينا ورأى جميع المنصفين لا يقل جريمة عن تعمد الخيانة اما أولئك الأمراء واما جمهور المقاتلين فإنهم جمعوا إلى الصفات الذميمة التي - كانت لكربوقا - جمعوا إليها الخيانة الصريحة . . . هذا كله يتناساه مزيفو التاريخ ويتجاهلونه ، ويفتشون عن بريء يتهمونه وبطل يخونونه وهذا ما ناسف ان يتمسك به في هذا العصر من يقولون انهم آكادميون وحملة دكتوراه وأساتذة جامعيون ! . أحمد الناصر لدين الله [ ] بن المستضيء بأمر الله الحسن : مرت ترجمته في مكانها من ( الأعيان ) ومر بحث عن الوظائف الإدارية في دولته في المجلد الخامس من ( المستدركات ) . وننشر هنا عنه بحثا للدكتور مصطفى جواد : كانت أوائل القرن السادس للهجرة طلائع نهضة واستقلال